سليمان يحب الحياة… بقلم نادية جلولي
بقلم نادية جلولي
سليمان يحب الحياة
حل مساء الخريف غاضبا مزمجرا، وهو يقف على عكازه المترهل متكئا على عتبات الغروب المتحجب، بدا ملتحفا بغيوم كثيفة طردت شعاع الشمس السافرة وشقت أبواب السماء، فبعثرت الضوء ودسته في عمق فجاج الشفق. وقبل أن يزحف الغسق ويبسط الليل ذيوله هرع الصغار والكبار إلى مساكنهم منفلتين من قيود الارتباطات اليومية، طلبا للراحة والاستمتاع بالدفء العائلي. فوق مائدة طعام خشبية بنية اللون، ذات نقوش دمشقية، صففت ريتا الدرزية صحونا ناصعة البياض، رتبت عليها بطريقة راقية أصنافا من الحلويات والشكولاطا المثيرة لشهية الصغار كما الكبار، بينما كان ربيع قلبها سليمان الوديع الذي سيصير عمره عشر سنوات يملأ البالونات بأكسجين الصفاء والنقاء، يساعده أبوه أيمن وأخته الكبرى لارا في تثبيت بعضها على الجدران وتعليق بعضها الآخر في السقف. كانت السعادة تتلألأ على محيا الأبوين وهما يقتاتان الأمل من رحيق بهجة آخر عنقودهما، يزينان غرفة الجلوس بالورود والفوانيس. كان الفرح ينظم ألحانا عذبة على قيتارة المحبة، وكان الوئام يعزف أنغام موسيقى شرقية تخترق الوجدان. وكانت البهجةُ تسبح في خلجان العيون البراقة والرموش تنشر أجنحتَها مرفرفة على مدى فضاءات البيت السعيد، وفي لمح البصرحَبَكَ القدرحكاية بئيسة عنوانها عفِن، هدفها وسخ، متنها رذيل ورديء لم يكشف فنجان الحياة طلاسيمه، كارثة مروعة أودت بأرواح بريئة ودعت الأسرة على إثرها بحبوحة الانشراح؛ إذ هز انفجار قوي أركان العمارة العتيقة، تدمرت كل الشقق، وأقبرت الأجساد تحت الأنقاض، وكُتِمَتْ أنفاس سليمان، نهش الدمارعظامه، سَاحَتْ دماؤه مخترقة فجاج الردم المتراكم فوق جثته الغضة، اختنق صدره وتوقف نبضه قُهرتْ روحه مستسلمة لمصير تعسفي.
لقد كانت العائلة تريد وكان سليمان يريد لكن العدوان يفعل ما يريد.
هكذا تيمم الخيال الحالم بالواقع المرير لينهض سليمان متثاقلا منهكا، يزيح الأحجار التي تساقطت فوق جسده المقاوم، يجمع أشلاءه ثم يرممها ويمشي كالرجل الآلي منتصب القامة، مرفوع الهامة تارة، وتارة يتهادى كغصن البان متبخترا فوق أديم الأرض التي فتحت أبوابها في وجه كل من اغتصبت أرواحهم. يجد سليمان الصغير نفسه وهو يرتدي بذلته البيضاء محاطا بأطفال أو من هم من جنس أطفال يلبسون ثوبا مخططا بالأبيض والأخضر والأحمر، لهم أجنحة تشبه أوراق شجرة الأرز، يرقصون رقصة صوفية دائرية على طريقة شيخ العارفين جلال الدين الرومي، يدورون حول أنفسهم. كانوا مشرقين يسطع النور من وجوههم، يتوسطهم سليمان منبهرا مذهولا، وكان كل منهم يضع فوق رأسه شمعة لهيبها البرتقالي يطرد الظلام الحالك المنتشر في أجواء المنطقة التي أضحت خرابا ويبابا، يتحلقون حول سليمان ويمسكون برفق بأطراف ثوبه ثم يرفعونه إلى الأعلى مرددين بأعلى أصواتهم عباراتٍ سليلة قاموس العزة والمجد والعنفوان والشموخ: *نحن لانخشى الموت لكننا نحب الحياة *
ينشدون مقاطع مفعمة بنفس حب الوطن، مستقاة من تراث الشعر العربي:
*ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا،
نرسم فوق تراب الممر صهيلا،
ونكتب أسماءنا حجرا
أيها البرق أوضح لنا الليل أوضح قليلا*
ولأن سليمان يحب الحياة فقد عثر على نفسه يقطف باقات زهور بنفسجية من حدائق الركام المحيط به والذي روت تربته دماء طاهرة تفوح مسكا، لم تتمكن أيادي الوحوش الضارية من تلويثها، فها هو يتحدى الموت مصمما العزم، مؤثثا روضة صنع منها نعيمه الحالي ليحتفل بعيد ميلاده، يطفئ الشموع وزغرودة أمه يَمْلأُ دويها صماخَ أذنيه.
هكذا وبعد انتهاء طقوس الاحتفال أمسك كل من أولئك الأطفال بيد الآخر وسبحوا في الأعالي نحوعالم مجهول بحثا عن الأمن والأمان وعن موطن للسلم والسلام.
